الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
180
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
زعم أن فيها نسخا ، وكيف يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث ، والصواب : أن النهى محمول على كراهة التنزيه ، وأما شربه - صلى اللّه عليه وسلم - قائما فلبيان الجواز . فإن قلت : كيف يكون الشرب قائما مكروها ، وقد فعله - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ فالجواب : أن فعله - صلى اللّه عليه وسلم - إذا بيانا للجواز لا يكون مكروها ، بل البيان واجب عليه - صلى اللّه عليه وسلم - . وأما قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « فمن نسي فليستقئ » فمحمول على الاستحباب والندب ، فيستحب لمن شرب قائما أن يتقيأ لهذا الحديث الصحيح الصريح سواء كان ناسيا أو لا ، قاله النووي . وقال المالكية : لا بأس بالشرب قائما ، واستدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال : رأيت أبا بكر الصديق يشرب قائما . ويقول مالك إنه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلى أنهم كانوا يشربون قياما . وأجابوا عن حديث أبي هريرة « لا يشربن أحدكم قائما ، فمن نسي فليستقئ » بأن عبد الحق قال : في إسناده عمر بن حمزة العمرى ، وهو ضعيف . انتهى . وقال المازري : قال بعض شيوخنا لعل النهى ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائما قبلهم استبدادا به ، وخروجا عن كون ساقى القوم آخرهم شربا . وقال بعض الشيوخ : الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة : قال : والأظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز ، وأحاديث النهى تحمل على الاستحباب والحث على ما هو أولى وأكمل ، لأن في الشرب قائما ضرّا ما ، فكره من أجله ، وفعله هو لأمنه منه ، قال : وعلى هذا الثاني يحمل قوله : « فمن شرب فليستقئ » على أن ذلك يحرك خلطا يكون القئ دواءه ، ويؤيده قول النخعي : إنما نهى عن ذلك لداء البطن . انتهى . وقال ابن القيم : للشرب قائما آفات عديدة منها : أنه لا يحصل به الري التام ، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء وينزل بسرعة إلى المعدة فيخشى منه أن تبرد حرارتها ، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج ، وكل هذا يضر بالشارب قائما ، فإذا فعله نادرا لم يضره . وعند أحمد عن أبي هريرة أنه رأى رجلا يشرب قائما ، فقال له قئه ،